‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص طويلة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص طويلة. إظهار كافة الرسائل
| ]

·        



      حدث ذلك في صيف ٢٠٠٢م. في شارع مزدحم من العاصمة الكينية نيروبي، لقد كانت ورطة من ذلك النوع المشبع برائحة الكربون. وكان حدثا بشعا، غريبا، مقرفا، ومضحكا في الوقت نفسه. ولقد قلت لكم من قبل إن الورطة التي تصنعها بيديك تجعلك تضحك رغما عن كل شيء. كثيرون ربما يستنكرون هذه الحادثة، وأنا لا ألومهم، أما الطيبون منهم فهم الذين يضمرون في دواخلهم الشك، ولأنهم يبجلونك فهم يكرمونك بهز رؤوسهم، ويكتفون بالصمت، وبمثل هذا حصلت موافقة عجيبة، بعد أكثر من عشر سنوات مما وقع لنا هناك، دعوني أرويها لكم قبل أن ننتقل إلى ذلك السوق. بعد ذلك الصيف بعشر سنوات، وتحديدا في عام ٢٠١٣، كنا في دبي، في ضيافة صديقنا الشيخ أبوحميد، رحمه الله، وأنا سائلكم أن تغمروه بدعوتكم، فهو رجل ذو قلب طيب يرغمك على حبه، وقد تلقيت خبر وفاته قبل شهر من اليوم ببالغ الأسى والحزن، وهذا شيء قليل من حقه علي، رحمه الله ورفع درجاته. كنا في ضيافته، وكان ابنه خالد "أبوراشد" منشغلا بالضيافة، يدخل ويطلع، أخذتنا الأحاديث هاهنا وهاهنا، أبوحميد، وأبوعلي، وأنا، جعل يسامرنا بأعجب ماحدث له في ترحاله الطويل، فقد بدأ حياته متاجرا على ظهور السفن، رفقة بحارته، يتجول بين السواحل، ويخوض البحار. وفي لحظة، أخذتُ زمام الحديث، ورويت لهم تلك الحادثة، كنت كلما تعمقت بالقصة تنفرج أساريره مبتسما، حتى إذا فرغت، نادى ابنه خالد، وقال له: تعال واسمع، فقد ساق الله من يشهد لي، فمن سنوات بعيدة وقع لي مثل ماوقع لكم تماما، وكنت أقصها على الناس وهم يتعجبون غير مصدقين. فمالذي حدث؟ نزلنا في مطار نيروبي بكورا، كان الهواء رطبا برائحة المطر والعشب المبلل، ظل المطر ينهمر ليلا، حتى إذا أسفر الصبح تزايلت الغيوم، فهي تُظل ولا تُظل، مثل حبيب يترقب حبيبه من بعيد، كأنما كانت تهيئ لهم الأرض طوال الليل، فيخرجون وقد توقف المطر، واغتسلت، وأخذت زخرفها، وازينت. وحتى نرمم ذواتنا من وعثاء السفر، أخذنا مضاجعنا في النُّزل، على أن يعود إلينا السائق عصرا. في المساء كنا داخل قمرة جيب التويوتا ٨٨ الأزرق، نحن الثلاثة، ورابعنا السائق صلاح، ذلك الشاب النحاسي النحيل، من البقية الباقية من ديار سبأ، وعاد. ومضوا يقهقهون هؤلاء الذين لايعلمون! شيئا فشيئا تنخرط سيارتنا في الزحام، السيارات الملونة، الباصات المحشوة، ضجيج، ودخان عوادم، ورائحة البترول، كما لو كنت في الطريق إلى رمي الجمرات. الأفارقة الكينيون وهم يمشون يلقون أيديهم، ويهزون رؤوسهم بإيقاع، كأنما يزاولون دورهم داخل نوتة موسيقية، تماما كما يمشي بوقبا. كان الجو لذيذا. هذه اللقطات الشعبية الصاخبة المكتضة، لذيذة، الوجوه، والألوان، والصور، والأصوات، حتى ذلك الرجل الأسمر في لوحة الدعاية الكبيرة أعلى العمارات كان يشرب الكولا وهو يبتسم. كان الشعور غامرا. وهو شعور لازلت أتذوقه في كل بلد جديد. غير أن ذلك لم يدم طويلا. فجأة، التفت إلينا السائق وقال: أقفلوا الأبواب، وأحكموا إغلاق النوافذ! - ما السبب ياصلاح؟ - الوضع هنا غير آمن! - ماالذي يمكن أن يحدث مثلا؟ .. هل يسرقونك مباشرة؟ - نعم، قد ينتشل منك شيئا، أو قد يهددك. - يهددك؟! .. يهددك داخل السوق؟! وأمام الناس؟ - نعم، قد يكون ذلك. تعرفون طنين الورطة أليس كذلك؟ ذلك الطنين في الأذن، كأنك متوسد عداد كهرباء. استدركنا: - يهددك بالسلاح وأمام الجميع؟ - لا، قد لايهددك بالسلاح. صمت صلاح قليلا، ثم قال بخجل: قد يهددك بأي شي، أي شيء قذر مثلا. - مثل ماذا؟ صمت قليلا، وخرجت الكلمات من أقصى حلقه متعثرة، مبعثرة. قال: يعني.. ، يعني مثلا، قد يهددك برمي شيء من قذره عليك! - ماذاا؟!! .. شنوا هذا ياصلاح؟ شنوا هذا؟ هل أنت جاد؟ هز رأسه مبتسما وقال جازما: نعم. الحق أقول لكم، لم يعجبنا كلامه، لم نصدقه، ماهذا الرجل الذي يحاول أن يثير اهتمامنا له بالكذب! يحدث أن يختلق المرشدون السياحيون الأكاذيب والمبالغات ليضفوا على بلدانهم جاذبية من نوع معين. ولكن إلى هذا الحد؟! لا. إنها مبالغة كبيرة، هذا الجمل الضخم لايدخل في سم الخياط. لم نقتنع، قررت أنه يكذب، وكذلك قرر صاحباي، كان اتفاقا صامتا، حتى ذلك الحين. كنا منهمكين بالدهشة ونحن نقلب أبصارنا من خلف زجاج النوافذ، أبواب السيارة مقفلة، النوافذ محكمة، سوى من عشر سنتمترات في نافذة السائق صلاح، تركها مفتوحة للهواء، أو ربما نسيها، لأنه يعرف أنه يكذب، وأنه لن يحدث شيء. قطعنا مسافة ليست قصيرة في عمق السوق، وفي لحظة مشوشة، متداخلة، سريعة، قفز ذلك الشاب الأفريقي فجأة من تحت نافذة صلاح، أسمر، رأسه كأنه زبيبة، ترك الوسخ على أطرافه كدرة قاتمة شهباء، يلبس جاكيتا لونه بيج، غير أنه أصبح رماديا، مسودّ الأطراف، مليء بخرائط الشوارعية والابتذال. في لحظات خاطفة، قبض على ماتبقى من نافذة صلاح بيده اليسرى، ثم أخرج يده اليمنى وكانت مندسة في كم جاكيته، وقد ملأها من سلاحه القذر! وجعل يهدد بإلقائه في حجر صلاح ويصيح مرددا: توو هاندرد شلن .. توووو هاندرد شلن. انخفض صلاح مبتعدا عنه، وجعل يدافعه ليغلق النافذة، ولكن دون جدوى. أشبه بكابوس مزعج تفزع منه وأنت متأخر عن موعد مهم، طنين عداد الكهرباء يكاد ينفجر، أشباح من الجن يمرقون، دبكة من الهنود الحمر ونحن مكتفون في الوسط، صاح بنا صلاح: هل معكم شيء؟ أعطووه. أسرعنا إلى جيوبنا وجعلنا نخرج الشلن والشلنين والعشرة والمئة، وقذفنا بها في حجر صلاح. لملمها عجلا ورماها له فتساقط بعضها على الأرض، هبط ليجمعها وكانت فرصة لإغلاق النافذة. وحين نهض ضرب النافذة بكل قوته وهرب! خيمت علينا كآبة طعمها مر، كنا لا ندري ماهي ردة الفعل المناسبة! نضحك؟ أو نحزن؟ أو نصمت؟ أو نتكلم؟ لقد كان مبلغ الارتكاس هذا أدنى بكثير مما كنا نتخيله. أخذنا نفسا عميقا، عميقا جدا، وطلبنا من صلاح أن يعود بنا للنزل، النوتة الموسيقية في مشي الكينيين أصبحت نشازا مزعجا، الرجل الأسمر الذي يشرب الكولا في اللوحة الدعائية صار مقطبا، فجأة اختفت تلك الألوان الفاقعة من السيارات، والجدران، والقمصان، سوى من لون واحد هو اللون الرمادي. لقد كرهنا شيئا لا ندري ماهو بالتحديد. واحتشد الكربون الخانق في الرئتين، كان هذا في يومنا الأول، ونحن لم نعتد على مثل هذا أبدا، ولسنا بجاهزية لنكون متحفزين على الدوام، وماجئنا لهذا، وأمامنا فترة سفر ليست بالقصيرة لم نرد لها أن تتحول إلى شبه منفى. وأصبحنا كلما ركبنا مع سائق أحكمنا إغلاق كل شيء، ونتلفت مثل أرانب حذرة، أذعرها الفزع. كان ذلك دون أن يصيبنا شيء بعد تلك الحادثة، طوال تلك الأيام، حتى وقع لنا موقف آخر في اليوم الذي سبق يوم المغادرة. لعله يحين وقت حكايته في يوم لاحق بإذن الله.
...تابع القراءة

| ]

‏في قصص القرآن مايأخذ بمجامع القلوب، لو عشنا تفاصيلها، وذهبنا بخيالنا في عمقها أكثر، كأنما تجري لنا.
يوسف في الجب.
هل عشتَ يوما في جُب؟
‏لنذهب هناك، في العراء، حول فوهة الجب، وفتى يطوقه اخوته بعيونهم التي تنوي شيئا، اخوته الذين قالوا اخرج معنا نرتع ونلعب! ينقطع الضحك منهم فجأة.
‏يلتفون حوله ويمسك به أحدهم، المطلب غير واضح، والمقاومة لاتجدي شيئا، هل جربت أن يلقيك أحد في جب؟ في غيابة جُب؟ غيابة، ليس لتجربة أوتحدي.
‏إنما لإقصائك من هذه الحياة، اخوتك هم الذين يفعلونها الآن، تتلمس في غيابة الجب، ماثم إلا حصى، وزواحف كامنة، ووحدة، وظلم، ومستقبل لايدرك كنهه.


‏ونوح، ينحدر في الطريق، على عاتقه الألواح والدسر، في أرض يباس، يقابله جماعة من قومه فيضحكون، ويصنع الفلك، ينجر ويطرق ويتساقط منه العرق.

‏وفي لحظة غير طبيعية، يفور التنور بماء، وتنهمر السماء، نوح منشغلا بحمل أهله ومن آمن معه والحيوانات الخائفة، وسط المطر والوحل والناس الهاربين.

‏المشهد يتفاقم، هزيم رعد، وبرق يخبط الأرض، فيلمع الماء الذي التقى وفاض، والسفينة التي تحركت وارتفعت، والموج يتعاظم كالجبال، هادرا كأني أسمعه.

‏وخلال الفزع، والذهول، والجلبة، واللحظات السريعة الحاسمة، يلمح نوح ابنه، منعزلا، فيناديه: 

- يابني اركب معنا

- سآوي إلى جبل يعصمني من الماء

‏- لاعاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم

ويحول بينهما الموج المرتفع، ويستقر وقد أخذ الإبن معه في الهالكين، وتعود السفينة تجري بهم من جديد.

‏أحداث مدلهمة متسارعة.

تُقلع السماء، وتبتلع الأرض الماء فيغيض، ويهدأ الكون، وترسو السفينة على حافة الجبل، يأز فيها الصاري ويسكن خفق الشراع.

‏ويهبط نوح عليه السلام، شيخ وقور تجلله المهابة، وأهله، والقليل الذين آمنوا معه، وتهبط الحيوانات المبللة واحدة واحدة.

وتبدأ الحياة من جديد.


‏ويونس، ذو النون، يخرج مغاضبا من قومه، يقطع ثبج البحر في ركب، فيلمّ بهم عاصف، ويموج البحر من تحتهم، ويخف المركب، فترتفع أصواتهم، يختصمون.

‏ثم بعد اللغط يقررون التخفف من أحدهم في عرض البحر، وقاموا يستهمون، اجتمعوا تخفق قلوبهم، هل تخيلت يدك تمتد في قرعة أحد خياراتها الموت؟

‏ويخرج السهم على يونس، يلتفتون إليه، يحدث لغط جديد، فيعيدون الكرّة، ويخفق الأمل، وتكون من نصيبه، والثالثة الأخرى أيضا، فيلتفتون إليه، ويلقونه.

‏في بحر ضخم عظيم مالح، ومصير مجهول، يلتقمه حوت، ويستقر في جوفه، هل جربت العيش في بطن حوت؟ تخيّل.

في الغلس، واللعاب اللزج، والرائحة، والظلام.


‏وعيسى عليه السلام في جمع، وذلك الرجل يسألهم فسح الطريق له وللأكمه الذي يقود، يقعد بين يديه، يتأمله عيسى ويمسح عليه فتتكشف له الدنيا شيئا فشيئا وتظهر له الألوان، ثم يقوم مبصرا وسط الصخب، والضجيج.

‏يلتفت عيسى عليه السلام إلى كومة من الطين بين يديه. الناس من حوله تمتد أعناقهم وهم يتناكبون في لغط لمشاهدته. تتحرك يده بخفة، وتتنقل أصابعه برشاقة، ويصنعها على هيئة طير، يندهش الناس ويبتسمون وتعلو أصواتهم، يقترب منها عيسى فينفخ فيه فيطير. 

يعلو صراخهم ويخفقون متعجبين.


* كتبت هذه التأملات في مجموعة تغريدات يوم ١٧ مايو ٢٠١٤

...تابع القراءة

| ]


 تلبّسنا الظلام، وهبطنا الوادي، ظهورنا مثل لوح الخشب شخوصا، أبوعدنان لايكاد يرى الطريق من أضواء السيارات، بقي على موروجورو مايقرب من ساعتين, ثمة ضوء أحمر يومض من بعيد، أعمال في الطريق، انحدرنا لطريق ذي وحل يشق الغابة، تخوض العجلات في المستنقعات وترشق الطين، برج العرب يُظهر حماسا، وسط الظلام، ومن بين الأحراش، استطعنا رؤية شاحنة ارتطمت بشجرة باسقة -حادث -ربما يكون ثملا قالها وهو ينظر من فوق نظارته -والسكارى يقودون هنا؟* نعم .. يقودون الشاحنات في الأغلب
– بعد؟!
- ويوجد في هذه الغابة أسود؟
- أكييد.
 لاندري لم ضحكنا! على المعلومة، على الورطة الكبيرة، أم على أبي عدنان!
ذلك يعني أن تكون لقمة سائغة لسباع الغابة مع أول عطل في السيارة! الوحل شديد، وسائقنا ظهر عليه الإعياء، ضعف نظر وارتباك حيال الأضواء القادمة.
اتفقنا أن يقود أحدنا، واختلفنا كيف تكون عملية التبادل، ومن الذي سينزل في هذا المكان، هناك مشكلة أخرى، مقود السيارة في الجهة اليمنى خلافا لنا، يضاف لذلك أن القيادة في المسار الأيسر، في الليل والوحل والسكارى، نوع من المغامرة أشبه ماتكون بالتحدي، اتفقنا، قفز أحدنا، ونام أبو عدنان بالخلف، لم يكن السائق واحدا، كنا ثلاثتنا نقود، شاخصة ظهورنا وأبصارنا، تماما كأرانب حقل أدركت خطرا، صوت صرصار من بين الأشجار، وشخير سائقنا الموقر!
سيارتنا الهايلوكس تجمح كلما آنست منعرجا، مضى من الوقت ساعتان ولم تظهر لنا أنوار موروجورو، أو حتى قرية دونها، سوى من أكواخ قش هنا أوهناك.
الشاحنات بدت بازدياد، والسكارى، ذلك يعني أننا اقتربنا من مدينة، قال قائل منا: أيقضوه، يتبين الطريق، وينقطع الشخير، قام مفجوعا يتلفت، يتفرس، بصوته المبحوح راح يسألنا الأمارات، أكواخ القش، لوحة دعائية كبيرة صدئة، قلنا له: نعم، قال لنا: أبشروا .. نحن على أطراف موروجورو.
الوقت يضيق، ونحن لابد لنا من بلوغ الغابة فجرا، توغلنا في الأحراش، سار النحاة والقمر، بينما سرنا وصرصار الليل، والحشائش، وأبوعدنان، والرفاق..
 طرف الغابة،بلغنا غرفا مبنية يعرفها الصيادون، ألقوا بسطهم وراحوا في نوم عميق، وفيما نحن آيسين من النوم، أيقظونا عند الفجر من نوم لم ننم فيه!
سيارتان تخدان الطريق في منعرجات مغبرة، يعوم خلفهما غبار كأنما هما كرتان من اللهب تحت ضوء الشمس الأحمر وهي ترتفع شيئا فشيئا هناك في الأفق، نفد مضارب القبيلة الأفريقية، بيوتات متفرقة من طوب، وأعشاش من القش والقصب بأشكال هرمية، نذهب صعدا نحو شيخ القبيلة، سمر السحنات، حمر العيون، هذه هي قبائل الماساي، يتّزرون القماش المزركش، ويلقون أرديتهم كالمحرمين نحو عرس ما، وفي يد كل واحد منهم عصا يهش به على بقره، كل بقر الدنيا لهم، هذه ليست نكتة، هم الذين يقولون ذلك، يقولون إن البقر التي في الأرض كلها لقبائل الماساي، بقرتنا الحلوب وأولادها التوأم كانت لهم ونحن لاندري! يسوقون القطيع، ينحدرون في الشعاب، ويصعدون، تدندن أجراسها وسط الغابة، لاعليك، تلك أمة لها ماكسبت، وعليها ماكتسبت، ونحن لدى باب شيخ القبيلة، ومادمنا لدى الباب فإن كل البقر لهم، وهل يضر القول ونحن إذا انقلبنا فسننقلب لقوم تخاور في مشتاهم البقر! أخذ الشيخ الإتاوة، وأخذنا ختم الأمان
ارتفعت الشمس، تجاوزنا المضارب،أوغلنا في الشجر والحشائش، سنح لنا ظبي، أوبرح، لاأذكر، إنما اقتنصه أحدهم لنتصبح به، وأوقدنا نارنا تحت شجرة عجوز.
خيط من دخان القهوة يسري صَبَا، تنتعش له العروق، فيما كان الطاهي يعد لحم الغزال كان الرغيف الساخن على الحطب، والشمس تلمع في وجوههم يقهقهون.
...تابع القراءة

| ]





( 1 )


القدوم



منارات الحرم الشاهقة .. والكعبة السمراء .. والطائفون بلباسهم الأبيض الجميل .. وإمام الحرم ذو البحة المميزة وهو يدعو بصوت مرتفع .. والحمام الذي يحلق هنا وهناك بكل أمان .. وديار المهاجرين والأنصار .. وخطى الصحابة .. والحرم المدني وهو يحتضن الجسد الشريف ..
والروضة الخضراء ..
آه .. ماأطيبك ياأرض السعودية ؟!
ضربات قلبي تزداد والطائرة تميل نحو المدرج ..

البيوت المتناثرة في الأرض صارت تقترب شيئا فشيئا ..
وفيما كان الملاح يلقي تحية التهنئة بالوصول بلغة عربية لايفهمها أكثر المسافرين على متن هذه الرحلة كان الركاب يتحفزون من مقاعدهم ويعلقون حقائبهم على أكتافهم ..
وضعت قدمي ولأول مرة في أرض الحرمين الشريفين ..
كأن شعاعا يضيء من كل اتجاه .. أو هكذا خيل إلي ..
أمي وأبي وأخوتي كانوا قد حملوني كثيرا من السلام لهذه البقاع .. وودعوني وهم يبكون شوقا وعجزا ..
عندما كنت صغيرا .. صغيرا جدا .. رأيت موقفا لم أفهمه جيدا .. ولكنه ظل يرن في أذني بجرس تبعثه علا مة استفهام معلقة ..
في قريتنا .. إحدى القرى القريبة من كيرلا .. قام الأهل بصنع حفلة استقبال كبيرة لجارنا وزوجته .. شيخ ذو سحنة سمراء .. معكوف الظهر .. وعلى ذقنه شعر أبيض تزينه ابتسامة واثقة .. بينما كان رأسه محلوقا بالكامل !! .. وزوجته العجوز وهي تلف شالا أبيضا أنيقا على وجهها البرئ الطاهر .. بينما تتدلى خصلات من شعرها الأحمر على كتفها ..
كانوا يقولون إنهما قدما من مكة حجاجا .. ومن زيارة مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ..
كان اسم مكة في رأسي مرتبطا بالتاريخ وبالقصص التي يقصها علينا المعلمون.. لم أكن أدري بأنها عامرة حتى هذه الساعة ..
حتى إنني كنت أظن هذه الحفلة فرحا بحياة هذين العجوزين بعد عودتهما من التاريخ !!
- شوف صديق..أنت في روه وين؟ .. قيصومة .. كي..سو..مة ..
كان موضف الاستقدام في الرياض يرددها علي.. وهو يشير إلي باصبعه السبابة .. وينظر إلي نظرات تحذير أخير .. ثم يسألني ليعلم مدى حفظي لها :
- وين روه؟
فأقول بصعوبة ممزوجة بوجل وأنا أهز رأسي متفاعلا :
- كيسوم.. كيسوم ..
- كيييسووووومه ..
- كااايسوما .. كاااااااااايسوما ..
- كي.. سوومه .. مه ..
ثم نطقتها بعد عناء .. كي سو..مه .. كيسومه ..
عندما نطقتها لم يشجعني أو يبتسم لحسن نطقي لها وإنما التفت إلى الجالس بجانبي وراح يقول له :
أنت في روه أرطاوية .. أرتاوية .. أر .. تا .. وية ..
وصاحبي يردد وراءه كنت أردد في السر: كيسومة .. كيسومة ..
وعندما انتهى من صاحبي التفت إلي فجأة وقال لي وهو يشير بسبابته:
أنت وين روه ؟
غامت الدنيا في عيني.. والتصقت الحروف ببعضها خائفة وقلت وأنا أرفع رأسي واثقا وأفتح عيني بكل ثقة :
- كيسومية ..
صاح في وجهي وهو يهز يده والزبد يتطاير من فمه : كيسومة .. كيسومة ..
انتهيت من بعض اجراءات مكتب الاستقدام ..
وانطلقت إلى الرحلة المتجهة إلى القيصومة ..
هناك حيث الكفيل ..



( 2 )


جسر




أشياء كثيرة كانت غريبة بالنسبة لي ..
السيارات الكثيرة جدا .. بعضها لايوجد داخلها سوى السائق فقط !
.. الذين يسيرون على أقدامهم في الطرقات قليلون جدا .. الدراجات النارية والهوائية أيضا ..
لم أكن متعودا على هذه الصور ..
الجوالبارد .. الأرض القاحلة .. الماء ..
سمعت أن السعودية ليس فيها فيضانات !
ومطرها شحيح .. وخضرتها قليلة ..
تفاجأت بالطرق الفسيحة .. وبتباعد مابين البيوت .. وبالقصور الكثيرة هنا وهناك .. بالسيارات الجديدة ..
تفاجأت بأخلاق الذين تعاملوا معي بأسلوب لم نتعلمه في المدرسة ولا في البيت ..
في المقعد الخلفي للسيارة النيسان كنت سابحا في خيال عريض حينما هصرني صوت الكفيل من مقعد السائق قائلا
- افتح ..
كان يشير إلى النافذة بجانبي ..
التفتُّ إلى النافذة .. ولكني لم أفهم ماذا يريد تحديدا !!..
هل يريدني أن أفتح النافذة ؟
الهواء بارد جدا .. والشتاء لايسمح لأحد بالمزاح معه في مثل هذه الصورة !!
أنا لاأدري لم جعلني أركب في المقعد الخلفي بينما لم يكن في المقعد الأمامي أحد !!
ثم لم أفهم السر في إلحاحه علي بأن أفتح النافذة ..
لذلك كله لم يدر بخلدي أنه يريد مني فتحها .. فالتفت إليه وأنا أهز رأسي وأبتسم وأقول : مافي ..
صاح في وجهي .. وكلمات غاضبة تتفجر بين شفتيه .. كان يشير إلى النافذة بيده وهو يخفضها إلى أسفل ثم يقبض يده إلى أنفه كمن يتأذى من رائحة كريهة !!
فتحتُ النافذة .. وواصل السير بعدما كور شماغه على وجهه و هو يتأفف بكلمات لاأفهمها ..
كان أسمر السحنة .. بدينا جدا .. له شارب غليظ وليس له لحية .. يهتم بشكله ولكنه ليس أنيقا .. عندما استقبلني في المطار كان يرتدي نظارة سوداء .. ناتئ الصدر .. يمشي بكل كبرياء .. لم يخلع نظارته إلا بعد وصولنا للسكن منتصف العشاء !
نعم .. كنت أكلت طعاما في الصباح مطبوخا بالثوم .. ودهنت شعري بزيت النارجيلة .. ولكن رائحته أيضا كانت عفنة جدا !
فمنذ ركوبي معه وأنا أشم رائحة صوف أغنام وملابس داخلية قذرة وثياب متشربة بالدخان ..
وضعت حقيبتي في غرفة سكنية صغيرة ملتصقة بحوش مهجور.. فيها أغراض مبعثرة ..
وفهمت من كلامه أنني سأنام هنا حتى صباح الغد لأنطلق إلى المكان الذي سأعمل فيه ..
كانت الغرفة سكنا لاثنين من العمال .. أحدهما من مومباي والآخر من بنجلاديش ..
فيها سريران وملابس لهما معلقة على مسامير في الجدار الاسمنتي الناضح بروائح الطعام المختلفة ..
الفجوة التي كانت بين حياتي المعتادة وحياتي في هذا المستقبل المجهول جعلتني محتاجا لأي قشة أتشبث بها ..
ولذلك فقد تعرفت عليهما في تلك الليلة .. وتحدثت معهما كثيرا .. وارتحت إليهما .. واطمأنت نفسي شيئا قليلا ..
فهمت منهما أن هذا الكفيل سيذهب بي غدا إلى منطقة نائية وبعيدة في الصحراء .. وأنني سأسكن وحيدا في خيمة في العراء .. وأن عاملا قبلي هرب من هذا العمل بعد أن ذاق مرارات لاتوصف من البعد والشقاء وقسوة الكفيل ..
كنت متعبا من السفر ..
فنمت في تلك الغرفة نومة هانئة بانتظار الصباح ..
وبانتظار العالم المجهول أيضا ..



( 3 )


الصحراء




في الصباح ..
ناولني الكفيل كيسا فيه ثوب أسود وكوفية وشماغ ومعطف رمادي مهترئ .. وملابس داخلية بيضاء ..
قطعنا مسافة ساعة كاملة على الاسفلت الممتد جنوبا ثم انحدرنا يمينا ودخلنا في الصحراء ..
السيارة هي الأخرى تظهر حنقها في كل مرة على الصخور العنيدة والتعرجات الناتئة ..
ساعة أخرى قطعناها في الصحراء كانت أشد علي من السفر الطويل في الطرق المعبدة ..
والعالم المجهول الذي ينتظرني أيضا كان هو الآخر يخلق في صدري كثيرا من الأسى ..
ياااالله .. لطفك ياكريم ..
وظهرت مني تنهيدة بلا شعور ..
فرمقني الكفيل وقد ظللنا صامتين طوال الطريق ثم عاد إلى السير وهو يحدق في الأفق البعيد ..
بعد لأي وصلنا الخيمة .. في تل صغير .. يشرف على واد ممتد الأطراف .. فيه أشجار صغيرة شهباء مترامية .. ورمل أصفر بعيد ..
يظهر عليها أنها خيمة قديمة .. أو مستعملة .. وإلى جوارها كان هناك زريبة محاطة بسور حديدي ليس بالطويل مملوء بالغنم ذات شعر أسود منسدل ورأس أبيض .. ومن خلفها ناقلة ماء عجوز راقدة على التلة بكل ملل ..
حينما اقتربنا من الخيمة نبحنا كلب الحراسة الأصفر من طرف التلة .. ثم راح يدور حول السيارة وهو يبصبص بذيله بينما بدأت الأغنام بالنهوض وهي تثغي ثغاء السائل المسكين ..
- أبو الكلام ..
انطلقت نحوه داخل الخيمة ..
- جيب أغراض هنا ..
أخبرني أن هذا هو السكن الذي سأنام فيه على الدوام ..
ثم انطلقنا وقام بملء أحواض الماء أمامي ..
ثم أخرج الأغنام من الزريبة ..
وفي المساء شرح لي كيف أسوق الأغنام إلى زريبتها .. وأعطاني كشافا ضوئيا يعمل بالبطارية الصغيرة .. وأمرني أن أحمل صندوقا كرتونيا من السيارة إلى الخيمة .. وذكر لي أنه سيأتي قريبا .. ثم أدار محرك السيارة ومضى ..
كان الليل أكبر من هذه الصحراء الشاسعة .. وكان البرد يحتويهما جميعا .. وأنا واقف بين هذه الوجوه الثلاثة ..
رتبت الخيمة على عجل .. وقد كان الكشاف بالكاد يفي بما أريد ..
كان في الصندوق بعض أكياس خبز .. وبقايا من بصل وطماطم .. وكبريتان عليهما جواد يمتطي حصانا ..
العراء .. الليل .. الوحدة .. الشتاء .. والخيمة البالية !
أين ذهب خيال أمي وأبي في نوع السكن الذي سأنزل فيه ؟
هل جربت أن تنام وحيدا في صحراء لا تعرفها ؟ ... وحيدا ؟
لبست الثياب التي في الكيس وتمنيت لو كان معي مرآة لأشاهد صورتي باللباس السعودي !
الهواء الذي يتسرب من شقوق متفرقة ظل يطارد أطرافي ..
ووشوشة أسمعها خارج الخيمة ولاأعرف كنهها ! .. أو أن ذلك يخيل إلي ؟
كنت أرفع رأسي في الظلام وأنصت كأشد مايكون الإنصات .. فأسمع وشوشة من كل شيء ولكني لاأسمع شيئا !
سمعت نباح كلب بعيد .. بعيد جدا .. يأتي به الهواء تارة ويصرفه تارات أخرى ..
دائما ماتكون الليلة الأولى في كل حياة جديدة طويلة وغامضة ..
كنت مستبعدا أن أنام مع هذا الشعور ..
وقد لازمني هذا الشعور حتى بعدما أفقت على سماء زرقاء كنت أشاهدها من أحد الشقوق !!
وصوت أذان بعيد .. فرحت به فرحا شديدا ..
توضأت .. وأذنت .. وصليت الصبح ..
الصحراء تصبح جميلة جدا والمؤذن يصدح على ربواتها ..
انطلقت مع الأغنام في الصباح .. وتعرفت على الكلب .. كما تعرف علي هو الآخر .. ودرنا سويا في الأماكن القريبة .. ولكنني لم أشاهد أحدا !
الليل يأتي بالأصوات أكثر من النهار ..
لابأس ..
هناك مخلوقان عظيمان تبدوا عليهما القسوة .. ولكنهما أليفان جدا حينما يقتحم الإنسان أسرارهما : الصحراء والبحر
لقد وجدت في الصحراء أنسا .. وعشت مع الأغنام عيشة لاتوصف .. وألفت المكان .. وودت لو كنت أستطيع الاتصال بأهلي أو أن أوصل ذلك إليهم برسالة ..
صحيح أنهم كانوا يعدونني لأن أكون في مكان أفضل وعمل آخر إلا أنني راض عن هذا العمل الذي أقوم به الآن ..
يعكر صفو هذه الحياة زيارة الكفيل في كل مرة .. وأوامره العنترية الجوفاء .. وتسلطه الكبريائي ..
إلا أن زيارته كانت متقطعة حيث أنه ربما مكث أكثر من أسبوع في بعض الأحيان ..
في الأيام الأولى جاءني في الخيمة رجل مهيب الطلعة .. له لحية بيضاء وقورة .. ووجه واسع أبيض قلبت لونه الشمس إلى السمرة .. ومعه عامل هندي من كيرلا أيضا
الله عليك ياكيرلا .. الناس لايعرفون أنك كلمة قلبتها ألسنة الزمن من( خير الله )
عرفت أن هذا الشيخ له قطيع من الأغنام خلف التلة في آخر الوادي .. وأن (أكتر) يرعى الغنم لديه .. سعدت به .. وتحدثت معه كثيرا بينما كان الشيخ يتفقد الأغنام .. قال لي إن هذا الشيخ من أقارب كفيلي وأنه طيب جدا ..
عرفت الآن سر الأذان في تلك الليلة .. إنه صوت أكتر ..
ماأجمل هذا النوع من الصداقة في مثل هذه الظروف ..
وفي الصحراء أيضا صداقات تغوص في دقائق حد العمق ثم تتلاشى وكأنها طيف حلم ..
هناك سيارة بيضاء متجهة نحو الخيمة .. يتطاير غبارها في الأفق الممتد ..
يبدو أنها فارهة ..
الشمس تزول بعد أن أخذت وضعا رأسيا في السماء ..
نزل منها خمسة رجال سعوديون .. لهم لحى سوداء بعضها خفيف وبعضها كثيف .. أحدهم كان يرتدي لباسا رياضيا .. صافحوني جميعا !
وابتسموا لي .. وسألوني عن اسمي فقلت لهم : أبوالكلام
كانو يريدون تعبئة ماء من الناقلة وشراء خروف صغير
تبادلت معهم الحديث بصعوبة .. ولكنني كنت مطمئنا للحديث معهم .. كانوا يبتسمون معي .. ويلاطفونني .. ويبدأون حديثهم معي باسمي قائلين : شوف ياأبوالكلام ..
ملأوا أوانيهم بالماء وأخبرتهم أن الكفيل لا يسمح لي بالبيع من الأغنام .. وأشرت إليهم بالذهاب إلى قطيع أغنام كفيل أكتر .. سألوني عن مكانه .. وشرحت لهم متحمسا ..
تحدثوا فيما بينهم قليلا .. ثم التفتَ إليّ أحدهم وقال : أبو الكلام .. أنت مافيه مشكل روه معي أكتر ؟
قلت له وأنا في كامل سعادتي : مافيه مشكل ..
ركبت معهم إلى جانب الراكب في المقعد الأمامي ! ..
كانوا في الطريق يسألونني عن المطر .. متى نزل .. ويسألونني عن أسماء أماكن لاأعرفها حتى كنت- من حبي لهم ومحاولة مساعدتهم- متحمسا في توصيف أحد الأماكن بحسب فهمي للكلمة ولكنني تفاجأت ببرودتهم في تقبل الوصف مما جعلني أكتشف أن وصفي كان مدبرا جدا !
اشتروا خروفا من أكتر .. وربطته لهم .. ثم عدنا إلى الخيمة .. وقبل أن يذهبوا توضأوا من الماء وطلب مني أحدهم أن أؤذن .. فأذنت وأنا أحاول إبداء أجمل مايكون في حنجرتي .. وصلوا الظهر والعصر ..
ركبوا في السيارة وأنا واقف أودعهم .. تهامسوا قليلا ..
ثم نزل أحدهم وفتح الباب الخلفي وجعل يجهز شيئا ما .. ثم ناداني : أبوالكلام ..
انطلقت نحوه مسرعا فناولني كرتونا فيه أطعمة متنوعة .. وكيسا فيه لحاف نظيف .. ونفحني من جيبه ورقة نقدية لاأعرف مقدارها ..
ثم ودعوني وانطلقوا ..
لقد أحببتهم من قلبي ..
كما كرهت أولئك الشباب الذين جاءوا مرة على سيارة نيسان شبيهة بسيارة الكفيل وقد ركب بعضهم في صندوقها وهم يسيرون بهيستيرية قبيحة .. وحينما حاذوني أنا وقطيع الأغنام عطف السائق مقودها نحو القطيع وأسرع وهو يصدر طنينا مزعجا من بوق سيارته حتى تبعثرت الأغنام وانطلقت في كل اتجاه ..
ثم ولوا وهم يضحكون !
لقد كنت في تلك الصحراء بعيدا عن الشر ..
ولكن بعض الناس ينقل شره معه حتى إلى الصحراء !
كانت تلك الصور تتكرر في الشتاء فقط .. وتزداد حينما يسقط المطر وينبت الربيع
مكثت في عملي هذا أشهرا طويلة ..
حتى جاءت ليلة أن بدأ الكلب ينبح نباحا متزايدا بشكل يوحي بخطر قريب ..



( 4 )


الشر >> خير




بدأ الكلب ينبح نباحا متزايدا بشكل يوحي بخطر قريب ..
الصرصار الليلي يغني بلا مبالاة .. الهواء البارد جدا أسمعه يعوي وهو يتسلل عبر فتحات زريبة الأغنام الحديدية .. الأغنام هي الأخرى تصيح بصورة غير معتادة ..
استيقظت من نومي فزعا ..
ولكن من أصعب الأشياء أن تقوم من نومك مباشرة لتأدية جهد كبير مباغت ..
تذكرت لحظتها ماحصل لي في أحد الليالي ..
حينما توشحت السماء قبيل الغروب بوشاح من الغيم الأسود الكثيف ..
.. وأقبلت بعدها عاصفة سوداء كبيرة ..
كنت قد جمعت أمري وشددت وثاق الخيمة .. وألقيت نظرة أخيرة على زريبة الأغنام .. وبعد العشاء هبت العاصفة بقوة كفأت الشباك .. وفرقت الأغنام في كل اتجاه .. الكلب ينبح بدرجة قريبة من نباح هذه الليلة .. خرجت مسرعا وأنا أتلفع بمسفع بالكاد يحمي صدري من البرد .. الهواء الشديد لايرحم أحدا .. أسمع توسلات الأغنام .. ابن يصيح وأم تركض نحو صوته خلال الظلام الدامس والغبار .. الغبار كثيف جدا وأصوات استغاثات مؤثرة من
حيوانات بريئة يخالطها قعقعة جرس الخروف الرئيس وهو يركض بعشوائية أيضا .. لقد لاقيت عناءا كبيرا تلك الليلة .. تماما كما تُرسم لحظات العقدة في أفلام الكرتون .. تعثرت مرات كثيرة ببعض الأشجار .. وسقطت أخرى في منخفض كبير .. ولم أستطع لم شتات القطيع سوى لما هدأت الرياح وأدبر الليل جهة الغرب ..
حينها استطعت رؤيتها متفرقة وهي تحاول التجحر أسفل بعض التلال الصغيرة ..
ثم قمت بإحضارها واحدة .. واحدة ..
ولكن نباح الكلب هذه الليلة مختلف كثيرا ..
إنه ينذر بليلة ليلاء ..
في الظلام .. كنت أتحسس الكشاف الضوئي الصغير ..
أين هو ؟
الآن ..
أسمع طلق عيار ناري ..
لطفك ياالله ..
فجأة .. صاح الكلب متوجعا .. ثم خمد نباحه إلى الأبد .. وبدأت الأغنام تثغي ثغاء مستحثا ..
اللحظات الحرجة غالبا لها صراخ قوي .. ولكنه كامن في الصدر .. يخرج على هيئة زفير شديد !
ليس من الضروري الكشاف الآن .. أسرعت إلى الباب .. حللت الحبال .. وأخرجت رأسي لأنظر ..
ياه .. هذه الليلة مظلمة جدا ..
في لحظات سريعة .. دارت الدنيا أمام عيني إثر ضربة قوية على رأسي .. ثم التفّت يد ضخمة على عنقي .. جبذني صاحبها بقوة خارج الخيمة ..
كنت أحرك جسمي النحيل مقاوما ولكنني كنت مثل عصفور صغير بين يدي حيوان مفترس ..
بصعوبة بالغة استطعت معرفة أنهم ثلاثة رجال .. ملثمون ..
أوثقوني بحبل غليظ .. وأحكموا إغلاق فمي بقماش طويل .. وألقوني مكتفا وسط الخيمة ..
سمعت صوت سيارة تقترب ..
يبدو لي أنها ناقلة متوسطة الحجم ..
ثم سمعت صوت احتجاج الأغنام وهي تدفع قسرا نحو حوض السيارة .. ثم وهم يسرعون الهرب من المكان ..
حاولت فك الأغلال .. ولكن دون جدوى ..
أكتر .. أين أنت ؟ .. ليتك تنجدني الآن ..
كنت متوقعا أنه سيأتي .. صوت الطلق الناري كان قويا .. والليل بارع في نقل الأصوات كما تعلمون ..
الحقيقة أن منظري كان محزنا جدا ..
وحيد في هذا العراء .. في هذا الليل الجاثم بلا شعور.. جسمي النحيل الملتوي الآن مثل صورة جنين في رحم وهو ملقى داخل خيمة نائية .. حتى النشيج الذي حاولت من خلاله التنفيس عن الأسى كان صعبا جدا بسبب القماش المشدود على فمي بقوة ..
انكب علي أكتر يفك وثاقي بكل تفاعل ..
في الصباح .. عندما افتقدني في المرعى .. ساق أغنامه نحو خيمتي ..
ألا ماألأم القلوب الظالمة ..
تحول وجه الكفيل إلى وجه شيطان وهو يقف أمامي غاضبا .. عيناه تقذفان شررا .. وحول شفتيه السوداوين يتراكم زبد أبيض قبيح ..
لقد نهرني الكفيل بشدة وقام بضربي كما لو كنت أنا الفاعل ..
ثم عاقبني بأن حرمني من راتب الأشهر الماضية كلها !!
لم يكن لدي عمل الآن .. فنقلني إلى قريبه الرجل الطيب ..
بقيت تلك الليلة الرهيبة وعقاب الكفيل القاسي علقما أتجرع مرارته أيامي تلك .. لولا لطف الله بي ثم تسلية أكتر وتطييبه لخاطري مرة بعد أخرى ..
الأرض لا تسع فرحتي حينما زف إلي أكتر خبر حرص كفيله الطيب على أن ينقلني إلى كفالته ..
وكان ذلك بالفعل ..
ولكن عاملين اثنين في مرعى واحد يعد نوعا من الخطأ ..
ولذا فقد تقرر نقلي إلى مكان آخر ..
لقد بكينا كثيرا أكتر وأنا ونحن نودع بعضنا ..
ومن مفارقات الصحراء الشاسعة أنها تقرب القلوب بشكل غريب ..
بخلاف ما يحدث داخل المدن والقرى ..
وهناك ..
في القرية ..
كان القدر يجري على نحو سأنبئكم بخبره في حينه إن شاء الله ..



( 5 )


وحيد .. في المدن الصاخبة





لم تكن قرية بالمعنى الذي بنيته في رأسي ..
لكم أن تتصوروا مساحتها وهي تحتوي على ماينيف على عشرين منارة .. اثنتان منهما لجامعين كبيرين ..
ومدرسة كبيرة جدا فيها ثلاث مراحل تعليمية ..
خلف ورشة حدادة .. هناك حوش صغير .. فيه غرفتان من الطوب الاسمنتي ..
الهواء يدخل من غير مااستئذان عبر الشقوق .. والشمس كذلك في بعض الأحيان .. غير أنها أفضل بكثير من السكن في خيمة في العراء .. أليس كذلك ؟
من داخل الغرف تهجم على أنفك روائح الثوم والفلفل والبهارات الهندية الحارة .. وزيت النارجيل أيضا
مابين الغرفة والطرف الآخر من الحوش يمتد حبل غسيل طويل عليه ملابس معلقة مابين فانيلة مقلمة الأكمام وإزار ذي خطوط مزركشة ومناشف بألون مختلفة ..
شيئا فشيئا استطعت التأقلم مع العمال هنا .. ثلاثة هنود وخمسة بنجلاديشيين ..
تقررأن يكون سريري في غرفة الهنود الثلاثة .. كانوا يخرجون لأعمالهم في الورشة والبقالة القريبة .. عرفت أول قدومي إليهم أن اثنين منهم من مومباي .. والثالث من أحمدأباد ..
لم أكن مرتاحا لهم على أية حال .. لديهم سر يخفونه عني .. يتهامسون كثيرا .. رأيت قرب السكن مرة شاب يفاوض أحدهم في شيء ما وكأني لمحته وهو يمد له ورقة نقدية كبيرة ! .. تحت أسرتهم صناديق أشبه ماتكون بالألغاز .. ولذا فقد كنت حريصا على أن لاأعود إلى السكن إلا وقت النوم فقط ..
في استراحة الكفيل والتي تبعد عن السكن خمسة أكيال كنت أذهب من بعد العصر ولا أعود إلا في المساء ..
ولكي لاأبقى فارغا في الصباح تعاقد الكفيل مع مدير المدرسة الابتدائية في القرية لأكون لديه عاملا إضافيا للبنجلاديشي الموكل بأعمالها ..
الطريق إلى الاستراحة طويل على الأقدام .. كنت أحث الخطى إليها وأنا أضع يدي خلف ظهري .. سالكا الطريق الاسفلتي المتعرج ..
في آخر الشهر .. اشترى لي الكفيل دراجة هوائية مستعملة .. سلمها إلي في الاستراحة وهويقول : أبوالكلام .. هذا سيكل علشان طريق في طويل .. بس شوف .. مافي كلام نفر ثاني ان كفيل في يشتري .. مفهوم ؟
- هززت رأسي موافقا وفمي مفتوح حتى الآخر بابتسامة لم أستطع السيطرة عليها
فرحت بالدراجة ..
نعم ..
ولكن فرحتي بتعامل الكفيل وشعوره اللطيف تجاهي كان أكثر من ذلك .. الدراجات الهوائية في كل مكان .. ولكن هذا النوع من البشر نادر جدا ..
الآن .. أصبحت قريبا من الناس ..
ولكن قطيع الأغنام أحب إلي من بعض الناس ..
في المدرسة ..
كنت أجدف بالمكنسة ذات الشعر الطويل على البلاط بكل انسجام ..
حينما لكزني مع كتفي أحد المعلمين -على مايبدو - بصورة استهتارية ..
- كيف الهال صديق ؟
- هالهمد لله ..
وأخذ بيدي إلى طاولته في غرفة المدرسين وهو يقول .. تعال .. تعال ..
طويل .. ونحيل الجسم جدا .. وله رائحة عطر صارخة .. ثوبه ضيق .. وشماغه المرفوع فوق عقاله كبير بحيث يمكنه الاستغناء عن نصفه تقريبا ..
أخذ يفاوضني في غسيل سيارته .. كنت لاأفهم كثيرا من كلامه .. وأرفع رأسي وعيني في كل مرة مستفهما .. وحينما رآني بهذه الصورة أخذ يزاول علي مشهدا كوميديا أمام بعض زملائه في الغرفة .. يسألني بعض الأسئلة ثم ينفجر زملا ؤه بالضحك .. يهز رأسه محاكيا حركة رأسي ثم يخرج صوتا تقليديا قبيحا من أنفه : مافي مفهوم ؟
عيونه وعيون زملائه تلسعني ..
المشهد كان قاسيا بالنسبة لي ..
وما انتهى المشهد إلا بعدما أحس بأنه نزل من برجه العاجي كثيرا من الوقت !
ثم دفعني من كتفي وهو يقول : روه .. روه تنظيف .. رووه ..
ثم كيف سترون تعامل تلاميذه معي بعد ذلك ؟
في أحد الأيام .. وعندما خرجت من المدرسه .. كان في الطريق زمرة طلاب أعمارهم قريبة من البلوغ ..
كنت أسير على الدراجة بكل هدوء ..
استوقفوني ..
كل واحد منهم يريد أن يكون بطل المشهد ..
أحدهم يسأل : بكم فلوس هذا صديق ؟
آخر : أنا يبغى دورة صديق .. أنت في ينزل ..
كنت كلما حاولت السير .. سحبوا الدراجة من الخلف واستوقفوها ..
وحينما تجرأ أحدهم وأخذ بتلابيبي .. دفعته بشدة وأنا أصرخ في وجهه ..
وانفلتّ منهم بعد لأي .. وحاولت الإسراع ..
ولكنهم بدأوا يقذفونني بأحجار كبيرة .. وقنينات زجاجية تتكسر حولي وأنا أسرع الهرب منهم ..
فهل تلومونني بعد ذلك حينما أقول : إن القطيع أقرب إلي من بعض البشر ؟
في ليلة صيفية .. غادر الكفيل وأصحابه الإستراحة في هزيع متأخر من الليل ..
قمت بالتنظيف سريعا .. ثم ركبت الدراجة قافلا ..
الطريق المتعرج الضيق يضطرني للخروج عن الاسفلت كثيرا حينما تمر فيه أحد السيارات ..
كثيرون حينما يحاذونني يصدرون أصواتا مزعجة من أبواق سياراتهم ..
بعضهم يتعمد إزعاجي وإبعادي إلى التراب !
في تلك الليلة ..
أسمع خلفي صوت سيارة قادمة من بعيد .. مسرعة جدا ..
ظهري مشدود دائما وبلا شعور للسيارت القادمة من الخلف ..
ضوء سيارته متجه نحوي !!
يبدو أنه لم يشاهدني جيدا ..
ربما كان صاحبها نائما .. أو فاقدا للتركيز ..
عجلات سيارته تصرخ منذرة بخطر قريب ..
كل الصور تداعت سريعة أمام عيني ..
الأضواء .. الطريق .. الدراجة ..
الدنيا كلها دارت في لمحة خاطفة ..
لقد كان ارتطاما قويا ومفاجئا ..
سقطت على الأرض .. وغير بعيد مني دراجتي المتهشمة ..
رأسي مغبر من التراب وأحس بدوار شديد ..
وقف صاحب السيارة قليلا ..
ثم سمعت صوت المحرك وهو يضغط عليه ..
أحس بألم شديد في فخذي .. وضعت يدي عليه فعدت بدم حار ..
في هذه الساعة المتأخرة من الليل .. وفي هذا المكان المنقطع من البيوت ..
كنت أنظر إلى أنوار سيارته الحمراء وهو يبتعد عني هاربا ..
أحسست بمرارة في فمي .. ونشجت نشيجا كاد ينشق منه حلقي ..
واستسلمت للإعياء ..
عشت لحظات مثل حلم مزعج ..
رأيت وجوها كثيرة .. رأيت سقف سيارة .. أحسست بأنني على سرير قماشي ..
أركبوني سيارة إسعاف فارهة ..
أحس بغرز أبر في فخذي ورائحة مطهرات مستشفى ..
في اليوم التالي ..
أدركت أنني في المستشفى العام
كانت فخذي مكسورة وفيها جرح غائر قام الأطباء بخياطته ..
مكثت يوما أو يومين بعد إجراء العملية ولم يزرني أحد ..
في اليوم الثالث زارني الكفيل واطمأن على صحتي ثم خرج ..
وبقيت وحيدا ..
وحيد ..
وحيد حتى في المدن الصاخبة !
إلى جانبي في الغرفة شيخ مسن ..
يزوره بعض أقاربه فيلتفت بعضهم إلي ويسلم بحفاوة واطمئنان ..
وربما سكبوا لي قليلا من القهوة بأمر من الشيخ نفسه ..
وبعضهم كانوا لايأبهون بهذا العامل الهندي ذو السحنة السمراء ..
وعندما خرج من المستشفى انقطع عني الزوار !
بعد فترة ليست بالقصيرة استطعت الخروج إلى السكن ..
مكثت قعيدا على السرير .. وحدي في الغرفة ..
ويومها ..
رأيت أحد الصناديق التي كانت تحت الأسرة مكشوفا ..
واستطعت رؤية مابداخله ..



( 6 )


نافخوا كير ..



نعم ..
كان منسيا على مايبدو .. واستطعت رؤية مابداخله ..
لقد هالني منظر الأشياء المتكدسة داخله بشكل عشوائي ..
أشرطة فيديو سوداء من دون أي ملصق .. وأقراص حاسب كثيرة !
كنت أسمع من بعض أصدقائي أن بعض العمال يقوم بنسخ الأشرطة وبيعها ..
ولكني لم أكن أشك لحظة في أن هؤلاء الذين يقاسمونني هواء الغرفة يصنعون ذلك !
هل يلزمني أن أصنع شيئا ؟
فكرت سريعا في العمل الذي يجب أن أقوم به .. ولكني قررت أن لا أتدخل بشيء .. وأن يستمر الأمر كما كان وكأن شيئا لم يكن .. وسألت الله أن يحفظ أعراض المسلمين منهم وأن يكفيهم شرهم ..
لا ..
لم يكن قراري معجونا بالخوف بقدر ماكان حذرا جدا لهذه الحفنة المؤذية ..
في أحد الليالي السابقة.. كان من وراء باب السكن سيارة يضرب صاحبها المنبه بكل ثقة .. خرج إليه أحد الثلاثة الذين كانوا معي في الغرفة .. ثم عاد ليخبرنا بأنه رجل يريد مجموعة من العمال لحمل أغراض من منزل إلى آخر .. وأنه اتفق معه على أن يكون ذلك بستين ريالا ..
خرج الثلاثة إليه على عجل دون أن يقولوا لي شيئا .. ركبوا معه ولكن السيارة لم تتحرك ! .. نزل إلي أحدهم مسرعا وطلب مني الذهاب معهم .. وعرفت فيما بعد أن الرجل كان قد قال لهم إن ثلاثة لايكفون لحمل الأغراض ..
كان رجلا في الأربعين من العمر تقريبا ..
ونحن في الطريق إلى منزله قال أحدهم بلغة هندية عميقة لا يدركها الرجل : أغراض تحتاج إلى أربعة عمال ؟ إن خمسة عشر ريالا لكل واحد قليلة جدا ؟
ورد عليه الذي كان بجانبي بالهندية أيضا : عندما نصل .. دعونا نتفق على الإضراب حتى يرفع الأجرة إلى مئة ريال للجميع ..
وقال الذي في الأمام دون أن يلتفت : رائع ..
وقال المتحدث الأول : اتفقنا ..
ولم يبق غيري !
التفتوا إلي ولكني لم أقل شيئا ..
وأحسست بتضايقهم مني جدا مع أنني لم أخطئ !
عندما وصلنا .. نفذوا خطتهم بإحكام .. وبقيت متفرجا على المشهد وهم يتمنعون والرجل يساومهم حتى بلغ المئة !
وحينما عدنا إلى السكن ناولني كبيرهم خمسة عشر ريالا وهو ينظر إلي شزرا ويقول : هذا حقك من المئة !
أرأيتم ؟
إن من الناس من لاتستطيع عمل شيء معه سوى أن تنظر إرادة الله فيه
وكذلك كان قراري حينما رأيت مارأيت داخل الصندوق
وكانت حكمة الله فوق كل شيء
في آخر الليل .. كان المكيف الصحراوي العجوز يحن بكل كسل .. وكنت كلما حاولت أن أنقلب إلى شقي الآخر وجدت عنتا شديدا في فخذي ذي الجبس الأبيض ..
رأيت أنوارا حمراء تومض من الفتحة أعلى المكيف !
أسمع صوت سيارات كثيرة تقف حول الإستراحة ..
فجأة ..
انفتح الباب بسرعة عن رجال شرطة ..
أخذ كل واحد منهم مكانه منا ..
كنت أتألم بشدة والشرطي يجبذني من يدي بقوة وأنا أشير إلى فخذي وهو يقول : كزاب ..
وعندما أظهرت له الجبس .. خفف من الحدة التي كان يظهرها ..
قاموا بإخراج صناديق كثيرة .. ثم نشروها على الأرض .. والتقطوا لها صورا ولنا أيضا ونحن مصطفون خلفها !
مكثت هناك أياما ثبت فيها عدم تورطي بالأمر
وقام الكفيل بإخراجي بعد أن شهد بأنني غير مضطلع بمثل هذه الأمور ..
وعندما شفيت رجلي ..
عرض علي الكفيل عملا لم أزل أرفع يدي داعيا له بسببه



( 7 )


قبل الرحيل



في غرفة متطرفة من المسجد الجامع الذي يؤمه عبدالرحمن ابن الكفيل كنت أرتب الأغراض في سكني الجديد ..
عملي الآن هو حراسة المسجد وتنظيفه وترتيب الفرش ومتابعة دورة المياه - أكرمكم الله - وإطفاء الأنوار ..
الأرض بكل مافيها لاتسع فرحتي وأنا أحرك المكنسة الكهربائية داخل المسجد وهي تصيح بصوت مستقيم ..
لاتزال عالقة في ذاكرتي منذ كنت طالبا صغيرا في مدرسة قريتنا قرب كيرلا صورة أستاذنا الشيخ بوجهه الأسمر المبتسم وهو يكور حول رأسه عمامة بيضاء كبيرة متناسقة ولحيته البيضاء المسترسلة وهو يحثنا على تنظيف المسجد ويذكر لنا أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد على وقت النبي صلى الله عليه وسلم وأنه لما افتقدها سأل عنها فأخبروه أنها ماتت ودفنوها فذهب عليه الصلاة والسلام إلى قبرها وصلى عليها ..
الآن .. جمع الله لي الدين والدنيا ..
يؤسفني كثيرا حال أولئك المصلين الذين لايبالون بنظافة المسجد أو دورات المياه .. كثيرا ماكنت أعثر على بقايا قشور لحبوب أو أعواد لمناقيش أسنان تحت الفرش !
وأتأثر كثيرا حينما أشاهد خربشات كثيرة على جدران دورات المياه تشتمل على رسومات فاضحة ..
كثير من السعوديين لايجلسون في المسجد أكثر من ثلاث دقائق فقط .. يأتون متأخرين .. ويخرجون مبكرين ..
أنا أشاهد ذلك في اليوم خمس مرات ..
ليس تعصبا حينما أقول لكم بأن الهنود والباكستانيين وغيرهم أكثر أداءا للسنن الرواتب من السعوديين ..
وأكثر إنفاقا أيضا ..
عندما قام سائل بعد صلاة الجمعة وعرض حاجته وجلس في مؤخرة المسجد .. كنت أراقبه عن كثب ..
لم يخرج هندي واحد إلا ومد له ورقة نقدية حتى ولو كانت يسيرة سوى نزر يسير منهم ..
أما السعوديون فلم يعرج عليه أحد منهم إلا القليل نسبة إلى أولئك ..
قد تقول لي إن مايدفعه سعودي واحد يعادل ماينفقه عشرات الهنود .. وأوافقك على ذلك ولكني أتحدث هنا عن وجود المبدأ أساسا .. وربما كانت حاجة العامل لما أنفقه كبيرة بالنسبة للراتب الذي يتقاضاه بخلاف ماأنفقه السعودي نسبة إلى راتبه ..
عندما قمت من نومي صباح أحد الأيام .. سمعت جلبة خارج المسجد .. أسرعت إلى الباب وإذا إمام المسجد عبدالرحمن وجماعة من جهة تسمى توعية الجاليات ينصبون خيمة كبيرة جدا ..
بادرت لمعاونتهم وعرفت فيما بعد أنها لتفطير الصائمين في رمضان ..
هبت نسائم رمضان الإيمانية الرخية ..
وكنت عضد عبدالرحمن الأيمن في إدارة الإفطار مما جعله يتغيب في بعض الأحيان إعتمادا علي ..
حتى إن رجلا سعوديا حضر التفطير مرتين فرأى كثرة حركتي واهتمامي وحسن تدبيري .. فانفرد بي وأسر إلي بأنه يرغب نقل الكفالة إليه مع مضاعفة الراتب ..
استهجنت منه هذا التصرف القبيح ..
ورفضت عرضه بشدة ..
لقد ودعت رمضان كما لو كنت أودع صاحبا عزيزا على نفسي .. فهذه المناسبات تجعلنا نحس بأننا نعيش في مجتمع أخوي مسلم .. لانحس به في غيرها ..
ولكن عبدالرحمن لم يقوض الخيمة ..
وطلب مني التجهز لإقامة عيدية صباح الغد في يوم العيد .. وكان ذلك فعلا ..
فقد حضر العمال وهم في كامل زينتهم إلى مصلى العيد وشاركوا الأهالي صلاتهم و دعواتهم ثم انقلبوا إلى الخيمة مباشرة دون أن يقبلوا رؤوس آبائهم وفلذات أكبادهم ..
و ماكادت نفحات أيام رمضان تنمحي حتى هبت نفحات الحج العظيمة ..
أسر إلي عبدالرحمن بأن الأخوة في توعية الجاليات معجبون بنشاطي ويرغبون مرافقتي لهم إلى الحج وأن أكتر سيكون معنا .. وأن عبدالرحمن نفسه سيكون برفقتنا أيضا ..
أعتذر إليكم الآن لأني لاأجد وصفا يمكنه استيعاب سعادتي ..
أخذت يد عبدالرحمن لأقبلها فسحبها بسرعة وهو يستعيذ بالله من الشيطان ..
اتصلت بأهلي وبشرتهم ..
كلهم حملوني وصايا من مكة والمدينة ..
ومكثت أعد الليالي انتظارا لساعة الانطلاق ..
في باص كبير كنا مجموعة كبيرة من الهنود والباكستانيين والفلبينيين والبنجلاديشيين .. وجاليات أخرى ..
يدير الباص شباب سعوديون أكثرهم مثل عبدالرحم..
حينما توشحنا بياض الإحرامات وبدأنا بالتلبية خفق قلبي بما لا أدرك كنهه ومعناه ..
وحينما رأيت الكعبة لم تستطع قدماي على حملي ..
تهاويت في مكاني وأنا أرفع يدي بالحمد وأبكي .. ضجيج الطائفين حول الكعبة الواقفة بكل شموخ وهم يجأرون بالدعاء مهيب جدا .. وزمزم .. لقد تضلعت منه وغسلت رأسي به ومسحت على صدري واشتريت منه علبا كبيرة أوقعني في حرج مع إدارة الحملة حيث ذكروا لي أنهم يؤجلون ذلك لآخر الرحلة في العادة ..
كل الحجاج مسلمون .. ولذلك فأنا أحبهم كلهم ..
حالة من اللحمة الأخوية الإيمانية تجل عن الوصف ..
لكنني أصبت بخيبة أمل كبيرة ..
رأيت اثنين يتشاجران بالألسن ثم تفاقم الأمر إلى الاشتباك بالأيدي حتى اجتمع الناس ..
ورأيت حجاجا يرتدون الإحرام الجميل ويدخنون بكل شراهة ..
ورأيت حاجا يقضي حاجته في الشارع ..
كما وقعت لي جائحة أقلقتني كثيرا ..
حيث نزعت حقيبتي الصغيرة وعلقتها على مشجب قرب دورات المياه .. كانت فيها أوراقي الرسمية ومئتان وخمسون ريالا .. كنت أقول : في الحرم .. حتى الحمام آمن على نفسه .. ولكنني نسيت أنني قلت ذات مرة بأن كثيرا من الحيوانات أقرب من بعض البشر ..
سرقت حقيبتي ..
بحثت عنها وأنا أولول في صدري .. أنقل بصري بسرعة في كل اتجاه .. وفي كل المواضع القريبة ..
يبدو أنها قد سرقت فعلا ..
تحدرت من عيني دمعة حارة .. وتأسفت أسفا شديدا ..
في المخيم .. علم عبدالرحمن بما حصل لي فطمأنني .. ودس في يدي أوراقا نقدية حينما رأيتها عرفت أنها مئة وخمسون ريالا ..
وقام أكتر من حيث لاأدري بمخاطبة بعض الهنود فجمع منهم خمسة وستون ريالا ..
عندما عدت من الحج .. كنت أتحسس رأسي المحلوق وأنا أتذكر رأس ذلك الشيخ الحاج الذي احتفل به أهل القرية وبزوجته العجوز ..


وقريبا موعد سفري إلى هناك
سأعود إلى القرية إن شاء الله


أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه
وتقبلوا السلام مني



أخوكم / وحيد أبو الكلام






..




...تابع القراءة

| ]





لن أدس رأسي في الرمل ..
سأخوض في الوحل ..
سأقول ما لا بد من قوله ..
سأتحدث على المنصة وحيدا تحت الأضواء .. إنه ابني .. وابنك ..
أخي .. وأخوك ..
أبناؤنا جميعا ..

إن لم نكن لهم .. فمن لهم ؟

أسمع أصوات ذئاب خارج الباب ..

لوط عليه السلام يدخل ويخرج وعلى وجهه مسحة هم .. وتأثر ..

أليس منكم رجل رشيد .. أليس منكم رجل رشيد ..

زمرة تتسلل إلى الخارج وهي تتوشح سواد الليل قبل الصبح ..

أليس الصبح بقريب ؟

الآن ..

أسمع نعيق غراب ..

لا ..

غربان ..
غربان تهرب في كل اتجاه ..
ولا نجاة ..أسمع صياح ديك يجأر .. ودواب أخرى تتوسل ..ونباح كلب ..
حتى الكلب !!


والآن ..

ضجيج وصراخ خارج حدود الخرائط الأرضية ..

لا ..
الآن ..أشم رائحة غبار يتطاير..
يبدو أن القرية قد انكفأت ..وخمد الصوت إلى الأبد ..

إلى الأبد ..

سدوم ؟

رويدكم ..

لا تستعجلوا ..

سأقص عليكم القصة الآن ..





( 1 )



نظرةٌ .. فابتسامةٌ .. فسلامٌ



فكلامٌ .. فموعدٌ .. فلقاء



قال لي وهو يتحدث بلسان مر:في الحي المتاخم لحينا .. كان منزل عمي ..خالد ابن عمي وأنا صديقان منذ الفطام ..
ربما كانت سهرتنا في ملحق منزلنا وكثيرا ماكنا في الملحق لمنزل عمي ..أشياء كثيرة كانت بيننا .. الصداقة حد الألفة .. والتحدي حد التنافس .. وتجمعنا جميعا روح المغامرة ..كلانا في المرحلة الثانية من المتوسطة ..خالد ابن عمي ذو وجه حنطي وجسم نحيل جدا .. قسمات وجهه لاتشي
بالوسامة إلا بعد التأمل المستمر
.. لكنه يحمل نفسا وسيمة .. وروحا دعابية جذابة ..وأما أنا فقد كنت مكتنز اللحم شديد البياض ولكني لم أكن وسيما إلى حد لافت للنظر .. ربما أكون وسيما بالمقارنة فقط .. هناك في التقاطع القريب من بيت عمي وسط الحي بقالة يشبهها عمي دائما باللمبة ..اللمبة ؟!عندما سأله والدي مرة عن سبب التسمية عدل عمي من جلسته ليبدأ مشوارا طويلا من الفلسفة على عادته وقال
:


- اللمبة تجمع الحشرات من كل صوب ثم يأتي الوزغ ليصطاد منها مايشاء ..


حينها لم أكمل سماع الحوار الهامشي لفلسفة اللمبة لأن ابن عمي خالد كان قد التفت إلي وهو يضحك ويقول : أجل عامل البقالة هو الفيش !! الوزغ .. الذئب .. الثعلب .. هل يمكن معرفة متقمصيها من البشر ؟أشك في ذلك كثيرا .. لأن حلاوة اللسان مقدمة على الروغان ..لا تسألوني !اسألوا صالح عبدالقدوس حين قال :



يعطيك من طرف اللسان حلاوة ** ويروغ منك كما يروغ الثعلب



إذن .. المعرفة تكون بعد أن يروغ ..نعم .. وذلك الذي وقع لي .. وأوقعني في الفخ ..حمود ..يدرس في متوسطة ابن عمي خالد بل إنه يجلس في الكرسي الذي خلفه في الصف .. رأيته كثيرا عند البقالة .. وحدثني ابن عمي عنه كثيرا .. لم أكن مرتاحا له على أية حال ..يفترض - بالنظر إلى عمره - أنه من طلاب الصف الثالث ثانوي .. حليق الذقن وله شارب محدد ونازل مثل علامة رتبة عسكري مبتديء .. غليظ الصوت .. طويل نسبيا .. عليه مسحة جمال لكنها قاتمة ! .. يضحك من كل شيء .. يعرف كل شيء .. سخي بكل شيء .. لاتظهر عليه رائحة الدخان ولكن المقاعد الجلدية في سيارته متشبعة به ..كان يأتي من أقصى الحي على سيارته الماكسيما السوداء ورأسا يتوجه إلى البقالة .. ويستمر في الحديث مع ابن عمي لساعات طويلة .. يكون ذلك وهو في داخل قمرة سيارته أحيانا أو يفتح الباب فتنزل قدم وتبقى أخرى في الداخل ..لا أدري كيف تعرّف علي وأنا الحذر جدا ..جرأته في المزاح كانت قوية ..غمرني بمزحة كانت مثل موجة بحرية شهية ..ضحكت ..صار بعدها يوزع اهتمامه ومزاحه ونظراته بيني وبين ابن عمي ..في اختبارات الفصل الأول رأيت الطلاب متجمهرين في الشارع الكبير المقابل للمدرسة ..سيارة ماكسيما سوداء تستعرض بكل مهارة .. حمود ؟ قلتها بلا شعور .. فالتفت إلي صديقي في الفصل وقال : تعرفه ؟ .. هذا أحسن مفحط بالحارة .. يسوي حركات مايسويها أحد .. تعرفه ؟ أخذتني نشوة .. نشوة المراهقة بطبيعة الحال .. وقلت له :إيه .. أعرفه من قديم ..وقطع كلامنا صرير العجلات في حركة مهارية نادرة ..صراخ وتصفيق .. وتشجيع .. ونشوة لا توصف ..في المساء ..كنت أذهب إلى ابن عمي للمذاكرة .. فرأيت حمود هناك ..


- حركات حلوة اليوم ..قلتها وأنا أرفع حاجبي الاثنين ..ضحك مسرورا .. وحرك عينيه كما لو كان خجلا وقال :


-أنت أحلى !!


شوط من رعشة كهربائية ناعمة سرت في كل عرق من عروقي ..وقال ابن عمي خالد وهو ينظر إليه :


- خير؟ .. أي حركات ؟ .. علمونا ..


انفجر هو بالضحك وقال :


- أنا ماقلت حركات ولا شي !


والتفت إلي ابن عمي :


- أي حركات ؟ .. علمنا ..


تحدثت بكل طلاقة .. ووصفت المشهد كأدق ما يكون الوصف .. كان مسرورا مما أقول .. يضحك .. ويضحك ..قال ابن عمي وهو يحرك رأسه ثم يشير بسبابته للأسفل :


- لا .. لالالالا .. مايصير .. بكرى لازم أكون معك ياحمود ..


- أبشر بسعدك ياخالد ..


-وأنا ؟ قلتها وأنا محلق في ذلك الجو الخمري الساحر ..


- أبشروا .. أبشروا والله .. بس حاولوا تطلعون بدري من الاختبار ..


في إجازة الربيع ..وفي الفصل الثاني كذلك ..توطدت العلاقة بيننا كثيرا نحن الثلاثة .. يعتذر حمود في بعض الأحيان لارتباطه بأصحاب له آخرين .. يحملنا لأي مكان نريد .. سوق الجوالات .. تجمعات التطعيس .. التفحيط .. المطاعم .. كل شيء ..بساط من الريح يحملنا لأي مكان ..أو ربما مصباح علاء الدين ..أهداني مرة جوالا فاخرا .. لكنه مستعمل .. كان يفزع بكل ما أوتي من جهد لما يعوزنا لم يشعر أحد من أهلنا بذلك ..ومن الذي يلتفت للحشرات حول اللمبة ؟!!حتى جاءت تلك الساعة الحاسمة في حياتي كلهالم يكن كعادته ..هذه المرة ذهب لإنزال ابن عمي خالد قبل أن ينزلني !سلك طريقا بعيدا عن الحي ..التفت إلي برأسه ذو القبعة الحمراء وغمز بعينه ورفع إبهامه وهو يقول : - اليوم نبي نسوي حركات ؟!!


فهمت بسذاجة منقطعة النظير أننا مقبلون على مغامرة فريدة ..ضحكت .. وهززت رأسي ..صوت الغناء يصدح وهو يدق بأصابعه على مقوده بنغماتها .. ويهز جسمه ..انعطف خارج المدينة ..كلما سألته .. ضحك وقال : لا تستعجل ..روح المغامرة لدي طافحة على كل شيء ..ابتعدنا كثيرا ..قطعنا مسافة غير معتادة أبدا ..عطف سيارته جهة الصحراء ..التفتُّ إليه ..رفع إبهامه وهو يخفض رأسه ويغمز بعينيه ويعض شفته السفلى ..الآن ..ساورني شيئ لا أدري ماهو ..







( 2 )






ومن رعى غنما في أرض مسبعة



فنام عنها .. تولى رعيها الأسد






أوغل كثيرا في الصحراء ..والهم الذي ساورني أصبح متفاقما كلما دخلنا أكثر ..الصحراء في الصيف تأخذ إجازة طويلة .. وتنام .. بعد أن تكون قد تبرأت من كل شيء ..الأغنية تزداد صخبا ..ماذا يريد في الصحراء ؟ماذا يريد أن يفعل ؟لا .. لا ..حمود إنسان محترم ..منذ تعرفت عليه وهو لا يؤذيني بشيء ..بل إنه يحاول إسعادي في كل شيء ..لأرى ..وصلنا شجرة كبيرة في واد صغير ..لحظات سريعة محتدمة ..وجهه يقترب من وجهي .. هجم علي !ابتعدت بسرعة .. هل هو يمزح ؟ هل هو حمود ؟ صارحني بما يريد ..ورفضت بشدة ..كان متوددا أول الأمر .. وحينما رأى رفضي الشديد .. تحول إلى شيطان مارد ..نعم .. الإنسان تحت تلك الشجرة تحول إلى شيطان .. شيطان ضخم وبذيء ..كل شيء توقعت حدوثه غير الذي حدث ..كان عمري أصغر من أن يحتمل موقفا كبيرا كهذا ..الصحراء خالية ..دافعت بشدة ..هل أستطيع الهرب ؟اختطاف ؟صورة الاختطاف في نظري مرتبطة بما يحدث في الأفلام فقط !قبض سريع .. توثيق للأطراف بحبال غليظة .. ربط للفم .. ومحاولة جادة في الهرب للمختَطَف ..هل أنا مختطف الآن ؟الذئب يعوي بلا رحمة ..الفريسة تتلوى بين المخالب ..صور متداخلة .. كلها بشعة .. رأيت سكينا .. وسمعت فحيحا ..و رأيت وجها مكفهرا .. ورأيت أشياء قبيحة لا يحتملها إنسان سوي ..عندما عدنا ..كنت صامتا طوال الطريق .. ولكن صدري يضج بالصراخ .. صرخات القرف .. واللوم .. والتأنيب .. والقهر .. والبكاء ..كنت متأثرا جدا ..وعندما دخلت البيت رن هاتف الجوال برسالة من حمود :


- (الأمر بيني وبينك فقط .. وإذا علم أحد بما حصل فستندم ) !!


فهمت منها أنه سيترك الأمر سرا بيني وبينه ..قطعت على نفسي بأن أنهي العلاقة مع هذا الشيطان الوقح .. وأن أطوي صدري على الشوك ..مرارة الموقف كانت قاسية جدا ..لو قدر لي أن أتحدث للشباب الذين هم في مثل عمري لقلت لهم :


-إياكم وأول الطريق .. السيجارة الأولى .. سأجرب ..


- الركوب الأول .. سأجرب ..


- الرحلة الأولى .. سأجرب ..


- السهرة الأولى .. سأجرب ..


- الحبة الأولى .. سأجرب ..


لاتجرب ..


الناس في آخر الطريق يصيحون بك : لاتجرب ..


ليس في هذه الطرق تجارب ..التجارب هنا تعني أشياء كثيرة من الهم.. والأرق.. والبؤس.. والقضبان.. والمرض ..وإذا حصل لك شيء من ذلك وخطوت الخطوة الأولى فعد من أول الطريق .. فالضريبة حينها قابلة للتحمل ..


سألني خالد :


- كأنك لاتحب الذهاب معي أنا وحمود ؟


اكتفيت بهز رأسي ..


خلال ذلك الأسبوع كنت متوترا إلى أبعد الحدود .. في البيت .. في الفصل .. في الشارع .. لم يكن الوضع طبيعيا بالنسبة لي ..وفي آخر الأسبوع رن الهاتف برسالة من حمود :


- ( انتظرني بعد العشاء )!! ماذا يريد هذا المجرم ؟ تركت الرد على رسالته ..وعزمت على نسيانها .. ونسيانه ..وبعد العشاء .. اتصل بي فلم أرد عليه ..اتصل أخرى .. وثالثة .. فلم أرد ..رن جوالي برسالة وسائط ..وحين فتحتها ..صعقت ..أصبت بالدوار ..حالة من الغثيان هجمت علي بسرعة ..تهاويت ..رن هاتفي برسالة وسائط أخرى .. وثالثة .. عندما فتحتها جميعا تمتمت بلا وعي : مجرم .. وقح .. حقير ..


صورتي عاريا عند سيارته ومن خلفها الشجرة وأنا أجمع ملابسي ..صورة أخرى وأنا ألبس ..وصورة ثالثة قبيحة ..ضربات قلبي تزداد ..الدنيا من حولي تحولت إلى دوائر سوداء قاتمة ..ورن هاتفي برسالة من حمود :


- ( أنا عند الباب ) !!







( 3 )شاور أخاك إذا نابتك نائبة



يوما وإن كنت من أهل المشورات



فالعين تبصر منها ما دنى ونأى



ولا ترى نفسها إلا بمرآة






الوقت لايكفي للتفكير العميق ..ولم أجد بدا من الخروج ..لقد أصبحت مكبلا .. ومهددا في أي لحظة بضغطة زر واحدة ..إنما مثلي ومثله كمثل المجرمين الذين يضعون المسدس على رؤوس رهانئهم ويهددون بإطلاق الرصاصة الأخيرة عند أي تحرك من الشرطة..لقد كنت صغيرا .. وأخاف على نفسي .. ولم أخبر بذلك أحدا كما توعدني .. وشيطاني أيضا كان يمهد لي خيارات غريبة على أنها الحل .. لقد كنت بين شيطانين في الحقيقة ..وطويت صدري على زمرة أشواك .. كنت وإياه مثل القطة والفأر كما في (توم آند جيري)لا ..إن الفأر هناك يتحرك بكل حرية .. إنني مثلها عندما كنت أذهب إلى البقالة قبل أن أصاحب حمود ..في حوش منزلنا رأيت مرة قطا مضطجعا بكل هدوء ويتلفت بأعصاب باردة وأمامه فأرة منهكة كلما حاولت الهرب سحبها بيده بكل برود ..إنني أشبه نفسي بها الآن ..بكيت لوحدي كثيرا ..كرهت نفسي .. وكرهت أناسا آخرين من دون سبب !!رأيت أبي يتحاور مع المرشد الطلابي في غرفته ..ثم استدعاني المرشد بعدها وجلس معي على انفراد :


- أنت طالب مؤدب .. وذكي .. ومجتهد .. ومحترم .. لكنك في الفصل الثاني تغيرت كثيرا .. درجاتك هبطت كثيرا .. بعض المعلمين ذكر لي أنك كثير النوم وكثير التفكير خارج الدرس .. كان أبوك يناقشني قبل قليل عن وضعك في المدرسة .. وأنه مستعد لنقلك إلى المتوسطة الأخرى في الحي المتاخم إذا كانت المشكلة في طلاب هذه المدرسة !! .. هاه ؟ .. هل هناك شيء يؤذيك في المدرسة ؟
-................................................... ؟
- الموضوع عادي جدا .. أنا أخوك الكبير .. اطرح مشاكلك هنا بكل راحة ..


صورة وجه حمود القذر تتحرك فوق رأس المرشد .. رسائل الوسائط ترن في أذني .. اكتفيت بالسكوت لأنني لم أستطع الكلام ..- تحدث بكل مشاكلك .. قل أي شيء يزعجك .. لاتتردد ..في هذه اللحظة .. لم أستطع أن أملك زمام نفسي فانفجرت ببكاء مرير ..كنت أنشج بقوة ..تركني المرشد قليلا .. وهدأ من روعي .. وقال :


- سيكون سرا بيني وبينك .. صدري قبر لسرك .. عهد بيني وبينك ..تراخيت قليلا .. البكاء أزال عن ظهري شيئا من الحمل الثقيل .. قلت في نفسي :


- سأقول له وليكن ما يكون .. اشترطت عليه أن لا يخبر أحدا من البشر بما أقول .. حتى أبي .. ثم قصصت عليه الخبر حتى آخره ..كان متفاعلا معي .. وتأثر كثيرا بقصتي ..لاطفني ووعدني بأنه سيتابع الموضوع معي .. ولكنني لمست تورطه بمعرفة السر !لمست ذلك بإعراضه عني بعد تلك الجلسة !!لم يجلس معي بعدها أبدا !أصبح الوضع عاديا بالتدريج فيما بيني وبينه كما لو أنني لم أقل له سرا خطيرا .. يبدو أنه سيكتفي بحفظ السر فقط !بعد جلستي معه بأسبوع قام باستضافة شيخ جليل وكان عنوان المحاضرة (الفاحشة )وقام أيضا بتوزيع مطويات عن الفاحشة وخطرها ..ولكن ذلك لا يعني لي شيئا !أنا لست جاهلا بالخطر ..أنا وقعت في الخطر الآن وأعترف بخطئي .. فهل إلى خروج من سبيل ؟ اكتشفت بعد تجربتي مع هذا المرشد أن البعض يعمد لاستثارة الأسرار من صدور الناس وهو غير مستعد لمتابعة الحل !وأن من المرشدين الطلابيين من هو مرشد على مكتبه وأوراقه فقط !! بل إنني أحسست بشيء من اليأس حيال مشكلتي حيث أنه قد عجز عن حل مشكلتي رجل كبير من مثل المرشد الطلابي ..كما قلت لكم .. لم يتغير شيء ..واستمرت عبثية القط بالفأر ..وفي أحد الحصص الدراسية ..أخرج الوكيل طالبين من الفصل .. صالح وفهد ..همهم الطلاب بخبرهما وأنهما تشاجرا في اليوم الذي غبت فيه ..صالح ؟صالح طالب مؤدب ومحترم .. أنيق جدا وجميل تقاسيم الوجه .. ولبق في الحديث إلى حد كبير .. وهو أحد طلاب حلق تحفيظ جامع الحي .. بل إنني سمعت من غير واحد في الفصل بأنه يحفظ كثيرا من القرآن .. مع هذا كله كيف يكون قد تشاجر مع فهد ؟وفي الفسحة الثانية اقتربت من صالح وسألته :


- عسى المشكلة هينة إن شاء الله ؟


- هلا والله .. أي مشكلة ؟


- المشكلة التي بينك وبين فهد ..


- أها .. فهد طالب وقح .. ويستاهل ..


- يستاهل ؟ .. يستاهل ماذا ؟


- أنت غير موجود يوم السبت ؟


- نعم .. كنت غائبا .. هل تخبرني بالقصة ؟


-سم .. لاتخفى عليك شخصية فهد وخلقه السيء .. جاءني يوم السبت ورمى علي كلاما فاحشا .. نظرت إليه بعيني تهديد .. ولكنه في زحمة الطلاب جاء مختلسا من ورائي ولمسني بيده في موضع حساس .. التفت إليه ولكزته في بطنه .. ثم نزعت حذائي وصفعته على خده .. ولولا اجتماع الطلاب حولنا .. وحيلولتهم بيني وبينه لكنت قد تركته خرقة بالية ..


- صفعته بالحذاء على وجهه ؟


- نعم .. هو أحقر من أن أحترمه .. وحذائي أكرم من فعلته التي فعلها ..


نظرت إليه نظرة إعجاب وإكبار .. هل هذا هو صالح الهاديء الصامت ؟ .. كنت أظنه لايستطيع الدفاع عن نفسه !..إن داخل هذا المخلوق الأليف حميَة عظيمة .. وخلقا كبيرا .. سألت نفسي وأنا أتأمل في وجه صالح :


- ترى .. هل يكون أول خيوط الحل عن طريق صالح ؟





( 4 )
ياربيب القرآن .. ياطلعة الصُّبـــْ



ــــح .. ويا نفحة من الأقحوان








سألته ..


- ومن أين تعلمت مثل هذا ياصالح ؟


- هذه لاتحتاج إلى تعلم .. مسألة الأخلاقيات مسألة لاينبغي الاستهانة بها .. وبعد دقيقة من الصمت بيني وبينه عاد ممسكا بزمام الحديث وهو يقول :


- أذكر قصة واقعية في أحد المدن جنوب المملكة قصها علينا مدرس الحلقة يقول : إن أحد اللا أخلاقيين قام باستدراج شاب صغير من أحد المدارس حتى ركب معه .. ولكن هذا الخائن خرج به خارج العمران يريد أن يفعل به الفاحشة .. بمعنى أنه اختطفه .. وعندما طالبه الشاب الصغير بالوقوف .. رفض وهو يضحك ويقول : إنزل وأنا أمشي !! فما كان من الشاب الصغير إلا أن فتح الباب وقفز منه .. وأما المجرم فقد هرب مثل ثعلب سارق سمع طلق عيار ناري ..قال مدرس الحلقة بأن من ساق له القصة - وهو أحد رجال الشرطة الواقفين على القضية - ذكر له بأن الشاب أصيب بجروح وكدمات لزم بعدها المستشفى ثم خرج بعد ذلك .. كما تمت معاقبة هذا المجرم بما يستحق .. قد يكون تصرف هذا الشاب خارقا للعادة .. لكنها حادثة وقعت فعلا .. وكونه يفكر بحماية عرضه إلى هذا الحد يعتبر وعيا مبكرا يحتسب له ..عندما كان صالح يروي القصة كنت محلقا بخيالي إلى ماوراء الأفق .. هناك .. هناك حيث كنت أرى سيارة ماكسيما سوداء تمشي في الصحراء بكل هدوء !! .. وصوت المغني يرتفع بلا مبالاة !! .. وفي جوفها ذئب هائج .. ونعجة طائشة في غمرة المغامرة!! ألا سحقا لهذه المغامرات .. وقبحا لذلك الجهل الذي حملته بين جنبي حينها ..قلت له :


- وهل أستطيع مقابلة مدرسك في الحلقة ؟


- نعم .. وتسجيلك معنا في حلق الجامع أفضل .. تساءلت مع نفسي ..هل أنا مناسب لأن أكون طالبا في حلقة تحفيظ قرآن ؟ والحق أنني فكرت في ذلك كثيرا .. كلما طرحت الموضوع للنقاش بيني وبين نفسي هجم تاريخي السابق بكل جرأة وسحب الأوراق من بيننا ثم تأجل الإجتماع !!إلى أن تقابلت - وبلا مقدمات- مع مدرس حلقة صالح في مغسلة الملابس .. سلم علي بكل حرارة .. وسألني عن أخبار الدراسة .. بدا لي عاقلا ومتزنا .. ولم يمنع ذلك من أن تشرق من بين تقاسيم وجهه ابتسامة جميلة .. كدت أن أفضي له بالسر !! فكرة جنونية أليس كذلك ؟لا .. ليست جنونية .. ولم أقم بها أيضا .. ولكن قدر الله كان يجري على نحو لم يدرك كنهه أي منا ..وجدتها فرصة سانحة وسألته :


- هل يمكنني التسجيل في حلق جامع الحي ؟


- بالطبع .. وبكل سرور .. احضر مساء اليوم إن شئت لأحدثك بكل أنشطة الحلق ..


لم أنم ذلك الظهر .. عدت إلى المغسلة مرة أخرى وكويت غترتي وثوبا آخر نظيفا ..وعصرا .. بادرت وصليت في الجامع ..مكثت أسبوعا كاملا .. شاركت خلاله معهم في الرحلة الأسبوعية .. لقد راق لي أسلوبهم كثيرا .. وأعجبتني الألفة الجميلة بينهم ..فرحت أمي بخبر انضمامي لمدارس جامع الحي وبشرتْ أبي بذلك دون أن يكون له تفاعل يذكر .. ولكنني كنت أرمي إلى أمر بعيد ..وحمود؟رجاءا من الذي سأل هذا السؤال ؟أنا لاأحب أن يذكرني به أحد الآن .. نعم .. هو لايزال يعاملني بالتهديد ولا زلت متضايقا منه ولكني على أقل الأحوال في طريق السعي إلى الخلاص منه إن شاء الله .. قولوا إن شاء الله ..في الأسبوع الثاني .. وفي نهاية الرحلة .. انتحيت بأستاذ الحلقة جانبا وقلت له بأنني أحب أن أفاتحه بسر مهم ومشكلة كبيرة .. قال لي :


- هل هو سر بيني وبينك أم هناك من يعلم به ؟


سكت قليلا ثم قلت :


- المرشد الطلابي فقط ..


- حسنا .. يبدو أن الوقت الآن لايسمح لمطارحة المشكلة .. مارأيك لو جلسنا أنت وأنا والمرشد الطلابي في غرفته غدا ؟


- لايمنع .. لكنني أتمنى أن لايحضر معنا أحد ..


- أكيد .. من سيحضر يعني ؟


- قصدي أن لا يدخل طالب أو معلم ولو لأخذ شيء من الغرفة أو لسؤال المرشد


- إن شاء الله .. سأكلم المرشد الطلابي بذلك ..في الغد ..


وعندما انتهيت من سرد قصتي كاملة كان المدرس يعبث بعنفقة لحيته بكل حماس .. قال لي :


أولا / أنت لم تصنع ذلك بهوى منك أو رغبة ..وهذا يدل على خير كثير فيك .. المجرم حقيقة هو ذلك الشاب .. وأنت كل هذه المدة تجني ثمن تهاونك في مصاحبته لاأكثر ..


ثانيا / يجب أن نتذكر دائما أن المفاضلة بين البشر ليست بين مخطيء وغير مخطيء إنما هي بين مخطيء يتوب ومخطيء لايتوب .. والخيرية للأول بالطبع .. ويعني ذلك أن كل ابن آدم خطاء .. فحتى مجتمع النبي صلى الله عليه وسلم لم يسلم من العثرات كما في قصة ماعز والغامدية رضي الله عنهم ..


ثالثا / أهنئك على حسن تدبيرك ورباطة جأشك حيث لم تنحدر مع المجرم وإنما ظللت تدافع طغيانه بما يمليه عليك عقلك كل هذا الوقت .. ولو أنك بكرت للعلاج أكثر لكان الضرر أقل بالطبع ..ثم سألني :


- ولكن ألا يعلم أبوك بما حصل ؟


-لا ..


- لم ؟


قلبت يدي الاثنتين وزممت شفتي لأبدأ بشرح وضع والدي .. ولكن المرشد تدخل وقال وهو يهز رأسه :


- أنا أحدثك عنه في وقت أطول إن شاء .. أنا أحدثك عنه ..التفت إليه المدرس وقال :


- هذا يعني أننا لا يمكننا أبدا حل الموضوع عن طريق الأب ؟حرك المرشد شدقه الأيمن وهز رأسه بالنفي ..أطرق المدرس رأسه قليلا .. ثم رفعه وقال :


- أنا أرى أنه لابد من أن يخرج السر عنا نحن الثلاثة !تحركتُ-لاشعوريا- على الكرسي .. ونظرت إليه باستغراب ..وسأله المرشد :


-كيف ؟


-................................................





( 5 )
ألا ربما ضاق الفضاء بأهله



وأمكن من بين الأسنة مخرج







قال المدرس :


- نحن لانعرف الطرق المتبعة-عادة- لحل مثل هذه القضية ولكن صاحبي في الهيئة ربما كانت له معرفة بها ..


تغير لون وجهي عندما سمعت اسم الهيئة .. تخيلت رجلا ضخما بيدين كبيرتين و جبين مقطب وصوت أجش !! .. وذلك يعني أيضا أن القضية ستكون كبيرة !!.. ولكن المدرس عندما لمس ذلك مني عاد وقال :


- سأشاوره بصفة شخصية غير رسمية .. أعرفه جيدا .. سيكون عونا لنا بعد الله ..استحسن المرشد الفكرة ثم التفت إلي وقال :


- وأنت ؟


- لامانع لدي إذا رأيتم أن ذلك يؤدي إلى الحل ..


وفي الغد .. في نفس المكان .. ولكن في آخر الدوام .. دخل علينا رجل الهيئة .. كان رجلا دقيق الجسم دقيق الملامح خفيف شعر الوجه أبيض الطلعة .. كان بشوشا بشكل لافت حيث تظهر أسنانه البيضاء الجميلة في كل مرة .. وأنا لاأدري لم كانت تلك الصورة الضخمة متجذرة في خيالي عن رجل الهيئة ؟! .. ولا أدري من أين رسخت ؟! لاأدري !كان المدرس قد قص عليه الخبر بالأمس .. وحينما أخذ مكانه على الكرسي بادره المدرس :


- هاه .. مارأيك ؟


-الموضوع محلول إن شاء الله .. ولقد قضينا على الكثير من مثلها لفتيان وفتيات وقعوا رهائن صور أو مقاطع .. بعون من الله ..قالها بكل ثقة .. بينما تملكني شعور من الفأل عظيم .. ثم استدرك :


-ولكن لدي بعض الأسئلة .. والتفت إلي وهو يقول :


-كم من الوقت بين كل مرة ومرة يخرج بك هذا الوقح ؟


-تقريبا.. اسبوعان .. قد تزيد وقد تنقص ..


- معك شيء من الصور التي أرسلها إليك ؟


- لا .. حذفتها كلها ..


-حسنا .. أنت معذور في حذفها .. لكننا بحاجتها الآن .. ونحن بدورنا لن نطلع على الصور التي أرسلها إليك ولكننا سندينه بها ولذا فإنني أتمنى أن تذكر لي كل ماتحتوي عليه هذه الصور من أشياء ؟ .. كل الأشياء ..


قلبت عيني وفكرت قليلا وهو ينظر إلي ويقول :


- هاه ؟ .. أي شيء ..


قلت له :


- تظهر في بعضها شجرة .. وفراش أزرق على الأرض .. و.. و ..والسيارة .. سيارته الماكسيما السوداء .. عندما نطقت بها أحسست بأن السماء انفتحت فخرجت منها يدان حانيتان وانتشلتني من وحل عظيم .. وبرقت أسارير وجهه وسألني :


- هل سيارته موجودة في الصورة ؟


- نعم .. ولكن أظنها في صورة واحدة فقط !


-لابأس .. ذلك يكفي حتى لولم يظهر سوى طرفها .. وعاد يقول :


- الحمدلله .. نحن الآن نتقدم كثيرا نحو الحل .. بقي عليك أن تنتبه معي لما أريدك أن تقوم به .. فهل أنت معي ؟


- نعم .. بالتأكيد ..


-أريدك أن تنفذه بدقة كما أشرحه لك ؟


-أبشر .. أبشر ..


اتفقنا على كل شيء


وبعد أسبوع رن هاتفي برسالة من حمود ( سأمر عليك بعد العشاء ) نظرت إلى الشاشة وابتسمت وأنا أقول :


- آن أوان انقراضك أيها الوقح .. ولم أرد عليه بشيء ..وبعد العشاء رن هاتفي برسالة منه ( أنا عند الباب ) فرددت عليه برسالة سريعة ( لن أخرج إليك ) .. مكثت دقيقة كاملة وأنا أنظر إلى الشاشة وأنتظر رده بكل حماس .. الثواني تزحف زحفا ..لحظتها رن الجوال منه برسالة وسائط.. رن قلبي فرحا .. فتحتها .. لا .. هذه لاتكفي .. أعدت الرسالة إليه ثانية ( لن أخرج إليك ) .. أرسلتها وكأني أسمعها تضج في السماء ( لن أخرج إليك ) ودمعت عيني وأنا أخاطب نفسي وأقول :


- أين هذه الكلمة مني قبل ذلك ؟


وعاد جوالي يرن برسائل الوسائط الأخرى .. فتحتها بسرعة .. وحينما رأيت الصورة التي فيها سيارته السوداء قلت :


- الحمد لله .. هي الآن في جوالي وجواله ..أدخلت جوالي وسط كيس مليء بالأوراق .. كورتها وخرجت إليه مسرعا وإذا هو عند الباب .. وضعت الكيس وسط حاوية القمامة .. وركبت معه ..دفع رأسي بطرف يده وهو يقول بصوت استهزائي قبيح :


- لن أخرج إليك ..


- ضحكت له وقلت :


- أنت لاتعرف المزح ؟


ضحك ضحكته الهيستيرية المعهودة .. وانبسط إلي ..


عندما سلكنا الطريق العام قلت له :


- أنا جائع .. لو وقفت عند السوق لأشتري لنا شيئا نأكله ..


مكث في سيارته ينتظرني بينما كنت أدور في الأسواق وأنظر من خلف زجاج المحل إلى الشارع .. وحالما خرجت وجدت سيارة الهيئة خلف سيارته ورأيت صاحبي رجل الهيئة عند باب حمود ..وسمعت حمود وهو يدافعه ويصيح :


- مايصير !! .. أنا ما سويت شي .. !!


تجمهر الناس عند باب السوق .. وتبرع رجل متطفل من الحاضرين وقال لرجل الهيئة :


- تأكدوا .. الرجل شكله بريء !! ذهب حمود إلى الهيئة .. وركبت أنا مع المدرس والمرشد حيث كانا ينتظران في الطرف الآخر من الشارع ..


وبعد ساعتين ..


اتصل بي رجل الهيئة وهو يقول :


- الحمد لله .. أبشرك .. الأمور جاءت على ما يرام .. وجدنا الصور .. واعترف بكل شيء .. لقد عثرنا معه على إدانات لقضايا أخرى .. وهو محجوز لدينا الآن بعد أن كتب إقرارا وتعهدا .. يمكنك الآن أن تجد جوالك لدى المرشد الطلابي .. ولكن .. لاتنس أن تحذف الصور منه ..


لم أستطع أن أرد عليه .. تهاويت على الأرض وأنا أبكي ..





وسجدت لله شكرا ..





تمت
...تابع القراءة